السيد كمال الحيدري
330
دروس في التوحيد
الاستدلال الفساد نفياً تامّاً ونهائياً من الوجود ؟ لو كان الأمر كذلك فكيف نتعامل مع آيات أخرى من كتاب الله تثبت وجود الفساد ، كما في قوله سبحانه : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ( الروم : 41 ) ، وقوله : إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ( النمل : 34 ) . فكيف يتمّ الجمع بين النصوص القرآنية المتقدمة التي تبيِّن أنّ هذا النظام هو النظام الأحسن والأكثر إتقاناً ، وأنّه لا تفاوت ولا فساد في صنع الله الذي أتقن كلّ شيء ، وبين تلك النصوص القرآنية التي تصرّح بوجود الفساد وظهوره ؟ الجواب باختصار : إنّ هناك نوعين من الفساد ؛ أحدهما الفساد على مستوى العقل النظري ، والآخر الفساد على مستوى العقل العملي ، والحديث في نفي الفساد يدور على مستوى العقل النظري ، ومتعلّقه ما يرتبط بالفساد في عالم الإمكان ، في حين إنّ الآيات التي تتحدّث عن إثبات الفساد إنّما تعني به الفساد على مستوى العقل العملي ، الذي يعني باختصار كلّ ما يرتبط بإرادة الإنسان وفعله وعمله وما يمارسه في العالم من نشاط في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى مستوى العلاقات الإنسانية في نطاق الأسرة والمجتمع الواحد أو في نطاق العلاقات بين الشعوب والأمم . وهكذا يتّضح أنّ الفساد الذي تنفيه المجموعة الأولى من الآيات هو غير الفساد الذي تثبته المجموعة الثانية ، وبذلك يرتفع التعارض بالجمع بينهما من خلال هذا التمييز بين الدائرتين . ب ) الدليل العقلي في البدء ينبغي التأكيد مرة أخرى أنّ البرهان الذي أقامه القرآن الكريم والذي تقدّمت الإشارة إليه ، هو برهان عقليّ يعرف ببرهان التمانع . وإنّما